ابن عربي

154

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

حمت بالحمى ولوت باللّوى * كعطفة جارحها الكاسر وفي عالج عالجت أمرها * لتفلت من مخلب الطائر خورنقها خارق للسماء * يسمو اعتلاء على النّاظر يقول : قامت في مقام العزة تخلقا ، ولوت : أي عطفت بالعطفات الإلهية تخلقا أيضا ، وقوله : كعطفة جارحها يريد عزمها الماضي الكاسر كل عزم كما قلنا : إذا فلّ سيفي لم تفل عزائمي * فلي عزمات شاخدات « 1 » صوارمي وفي عالج من المعالجة لتفلت من مخلب الطائر ، يقول : ما تحب الأخذ وهي في قبضة الأرواح ، وإنما تحب أن تأخذ وهي في قبضة الحق ذوقا لا علما ، فإنّ الأخذ من الحق قد يكون بوساطة الأرواح العلوية وقد يكون بارتفاع الوسائط . وقوله : خورنقها ، موضع مملكتها خارق للسماء له أثر في العلويات يسمو اعتلاء على الناظر ، يريد يفوق البصر والإشارة إلى قوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [ الأنعام : 103 ] . ثم قال : ألمم بمنزل أحباب لهم ذمم * سحّت عليهم سحاب صوبها ديم « 2 » واستنشق الرّيح من تلقاء أرضهم * شوقا لتخبرك الأرواح أين هم أظنّهم خيّموا بالبان من أضم * حيث العرار ، وحيث الشّيح والكتم « 3 » يقول : انزل بمنزل أحباب ، يريد الأرواح العلوية لهم ذمم عهود ، وقد يريد أخذ المواثيق الإلهية المأخوذة على أرواح الأنبياء عليهم السلام سحّت عليهم ، يقول : سكبت على ذلك المنزل سحاب ، يعني من المعارف صوبها ديم تنزلاتها دائمة ، وقوله : واستنشق الريح من تلقاء أرضهم ، معناه إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن شوقا ، يريد محبة لتخبرك الأرواح ، يريد عالم الأنفاس أين هم من المقامات فإنه قال فيهم : وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ( 164 ) [ الصافات : 164 ] ، وقوله : أظنهم ، أعلم أنهم ، والظن هنا بمعنى اليقين ، كما قال الشاعر : قلت لهم ظنو بالغي مذحج وقال تعالى : وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ [ التوبة : 118 ] يريد تيقنوا ،

--> ( 1 ) في نسخة أخرى : شاحذات . ( 2 ) الديم : ( ج ) الديمة : مطر يدوم في سكون لا رعد فيه ولا برق . ( 3 ) العرار : نبات طيب الرائحة ؛ من الفصيلة المركبة . الواحدة عرارة . الكتم : نبات يخلط مع الوسمة للخضاب الأسود . ( لسان العرب / 508 مادة : كتم ) .